نظام التمثيل النسبي بين الحاصل الانتخابي والعتبة الضرورية للتمثيل (العميد الركن منصور الحداد)
|
915 مشاهدة
انتخابات
نظام التمثيل النسبي بين الحاصل الانتخابي والعتبة الضرورية للتمثيل (العميد الركن منصور الحداد)

منصور الحداد - عميد ركن متقاعد دكتور في القانون الدستوري

 

سأبدأ مقالتي بالسؤال التالي:

 

هل يصح القول بأّنّ نتائج الإنتخابات النيابية المجراة على النظام النسبي، تأتي مشوّهة بسبب اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل؟

 

من الثابت والأكيد أن ليس هناك نظام انتخابي قادر بالمطلق على تمثيل ارادة الأمة بنسبة مئة بالمئة ، فكل الأنظمة الإنتخابية تدّعي محاولة تمثيل الإرادة الجماعية للأمّة الى اقصى حدّ ممكن .

 

ومن الثابت والأكيد ايضا" ، ان تعدد الأنظمة الإنتخابية يرتبط ارتباطا" وثيقا" بكيفية التكوين التاريخي لمكونات الأمة ، من حيث تجانسها على الصعد الإنسانية كافة ، إثنية ، دينية ، ثقافية، ام اجتماعية ....الخ

 

فكلما كانت هذه المكوّنات متجانسة الى حدّ التماهي كلما كان الأمر سهلا" في عملية إختيار النظام الإنتخابي المناسب وكلما بعد التجانس وزادت الفروقات بين هذه المكونات كلما ازدادت الصعوبة في كيفية الوصول الى نظام انتخابي يعكس الإرادة الحقيقية للأمة .

لسنا هنا بالطبع في صدد بحث هذه المسألة الاّ أنه تجدر الإشارة الى خطورة اعتماد نظام انتخابي لا يعكس الواقع الحقيقي للتكوين المجتمعي فتشوّه بذلك ارادته بحيث لاتعبّر العملية الإنتخابية عند ذاك عن حقيقة رؤى وتطلعات الرأي العام.

هذا لا يعني أن ليس للنظام الإنتخابي بالمعنيين السياسي والإجتماعي دورا" في تسهيل التقارب بين مكونات الأمة غير المتجانسة دونما تشويه لأرادة هذه المكونات ، لكن ذلك بحث آخر لسنا بصدده.

ما أردت تبيانه في هذه المقالة هو مسألة تقنية تتعلق باعتبار الحاصل الإنتخابي عتبة ضرورية للتمثيل ! ومردودها السيّء على اظهار الإرادة الحقيقية غير المشوهة للأمة.

حيث أن بقاء الحاصل الإنتخابي عتبة ضرورية للتمثيل يمكنه ان يحرم مجموعات معتبرة من المجتمع من ان يكون لها من يمثلها في مجلس النواب.

 

فالدول التي ما زالت تعتمد العتبة الإنتخابية ضرورة، اختارت بمعظمها ان تكون هذه العتبة متدنية جدا" بهدف الا تستبعد اية فئة إثنية او طائفية او حتى سياسية من تمثيلها في المجلس النيابي بحيث لا تتجاوز عتبة التمثيل الخمسة في المئة في اقصى الأحوال .

 

حتى أنّ بعض الدول الغت بالمطلق عتبة التمثيل بحيث اتاح نظامها الإنتخابي لكل فئة من فئات الشعب ان تحجز لها مقاعد في البرلمان يتناسب عددها مع النسب التي حصلت عليها من اصوات في صناديق الإقتراع.

 

فما الذي يمكن حصوله من جرّاء اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة للتمثيل؟

 

من الممكن بعملية حسابية بسيطة ان نكتشف ان الآف او ربما عشرات الآف من اصوات المقترعين في دائرة معيّنة قد تذهب اصواتهم هدرا" ولم يتم تمثيلهم في حين ان مجموعات اخرى تقلّ عنهم عددا" ستمثّل بأكثر مما تستحق.

 

يعني أن تتمكن لوائح معيّنة تحظى بنسب مرتفعة من التأييد من ان تحصل على مقاعد لا تستحقها وتسلبها من مستحقيها ! حيث كان بإمكان لوائح اخرى لا تحظى بنسب مرتفعة مثلها من التأييد ان تحصّلها – لو لم يعتمد الحاصل الإنتخابي كعتبة – من خلال اعتماد قاعدة أعدل لحسبان النتائج.

 

ولنأخذ مثلا" على ذلك:

دائرة معينة قيّد على لوائح شطبها 150000 اسما" مؤهلا" للتصويت وحدّد لها في القانون عشرة مقاعد تبين في حصيلة الإنتخاب ان الذين اقترعوا هم فقط 100000 مقترعا" وكان اقتراعهم صحيحا" بعد حسم الأوراق الملغاة فيكون عندها الحاصل الإنتخابي 100000 = 10000 صوتا"

10

 

وكانت قد سجّلت ست لوائح للترشح في هذه الدائرة ونالت كل منها على التوالي :

اللائحة A = 36000 صوتا"

اللائحة B = 21800 صوتا"

اللائحة C = 12200 صوتا"

اللائحة D = 9200 صوتا"

اللائحة E = 8800 صوتا"

اللائحة F = 7000 صوتا"

و 5000 ورقة بيضاء

المجموع = 100000 صوتا" صحيحا"

 

فاستنادا" للقانون 44/2017 (المادة 99 منه) سيتم اخراج اللوائح D, E, F التي لم تنل الحاصل الإنتخابي ، ثم يعاد احتساب الحاصل الجديد الذي هو 75000 = 7500 صوتا"

10

  

وستحتسب المقاعد وفقا" للتالي:

  

اللائحة A = 36000 = 4.8 (اربعة مقاعد صحيحة + 0.8 كسر)

7500

 

اللائحة B = 21800 صوتا" = 2.906 ( مقعدان صحيحان + 0.906 كسر)

7500

 

اللائحة C = 12200 صوتا" = 1.626 ( مقعد صحيح + 0.626 كسر)

7500

 

مجموع المقاعد الصحيحة 4+2+1 = 7 مقاعد صحيحة ويبقى 3 مقاعد غير موزعة ويقتضي توزيعها وفقا" للمادة 99 من القانون 44/2017 كما يلي وبالترتيب:

 

مقعد للائحة B ، مقعد للائحة A ،ثم مقعد للائحة C ، وذلك من الكسر الأكبر فالأصغر فتصبح الحصص النهائية على الشكل التالي:

 

اللائحة A = 4+1 = 5 مقاعد

اللائحة B = 2+1 = 3 مقاعد

اللائحة C = 1+1 = مقعدان

 

إنّ حسم ربع عدد المقترعين بصورة صحيحة والبالغ عددهم 25000 وعدم تمثيلهم يدعونا الى اجراء مقارنة بسيطة بين نتيجة الفرز على الطريقة السابق ذكرها والمعتمدة وفقا" لقانون الإنتخاب الحالي على اعتبار الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل والطريقة المقترحة بعدم اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة للتمثيل . لمعرفة اي من الطريقتين اصلح واعدل .

فلنأخذ نفس المعطيات المعتمدة في الطريقة السابقة لتوزيع المقاعد على اللوائح والمستندة الى القانون 44/2017 لكن من دون اعتبار الحاصل الإنتخابي كعتبة للتمثيل وذلك على سبيل المثال فما هي النتيجة التي سنحصل عليها وذلك بعد قسمة الأصوات المحصلة لكل لائحة على 10000 وهو الرقم الناتج عن الحاصل الإنتخابي الأساسي 10/100000 = 10000

   

فتكون النتيجة حينذاك :

اللائحة A = 10000/36000 (3 مقاعد صحيحة + 0.6 كسر)

اللائحة B = 10000/21800 ( مقعدان صحيحان +0.18 كسر)

اللائحة C = 10000/ 12200 ( مقعد صحيح +0.22 كسر)

اللائحة D = 10000/ 9200 (0.92 كسرمن مقعد واحد)

اللائحة E = 10000/ 8800 (0.88 كسرمن مقعد واحد)

اللائحة F = 10000/ 7000 (0.7 كسرمن مقعد واحد)

 

المجموع ست مقاعد صحيحة والكسور ستوزع على اللوائح بنسبة كسورها من الأكبر فالأصغر بحيث تنال اللائحة D المقعد الأول كونها حصلت على الكسر الأكبر ثم اللائحة E فاللائحة F واخيرا" اللائحة A .

 

فتكون النتيجة النهائية :

اللائحة A = 3 مقاعد صحيحة + مقعد اضافي = 4 مقاعد

اللائحة B = مقعدان

اللائحة C = مقعد واحد

اللائحة D = مقعد واحد

اللائحة E = مقعد واحد

اللائحة F = مقعد واحد

 

ان اعتماد توزيع المقاعد على طريقة الباقي الأكبر او الكسر الأكبر ويسمى تقنيا" La technique des plus forts restes

قد لا يكون عادلا" بما فيه الكفاية وان كان اكثر عدالة من اعتماد الحاصل كعتبة للتمثيل فاعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة تمثيل ضرورية ، يحرم اللوائح D, E, F من التمثيل وقد حصلت تواليا" على 9200، 8800، و7000 صوتا".

اما في حال عدم اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل يكون معدّل المقعد في مختلف اللوائح على الشكل التالي:

 

اللائحة A = نالت 36000 صوتا" ومعدل المقعد :4/36000 = 9000 صوتا"

اللائحة B = نالت 21800 صوتا" ومعدل المقعد :2/21800 = 10900 صوتا"

اللائحة C = نالت 12200 صوتا" ومعدل المقعد :1/12200 = 12200 صوتا"

اللائحة D = نالت 9200 صوتا" ومعدل المقعد :1/9200 = 9200 صوتا"

اللائحة E = نالت 8800 صوتا" ومعدل المقعد :1/8800 = 8800 صوتا"

اللائحة F = نالت 7000 صوتا" ومعدل المقعد :1/7000 = 7000 صوتا"

 

هذا يعني ان 2200 مقترعا" قد حرموا من التمثيل وكانت قد حصّلتهم اللائحة C و900 x 2 = 1800 مقترعا" قد حرموا من التمثيل وكانت قد حصّلتهم اللائحة B لأنها حازت على مقعدين.

وبمقارنة بسيطة مع الحلّ المعتمد حاليا" في القانون 44/2017 ، نجد ان الإجحاف السابق ذكره اي في الحلّ الذي لا يعتمد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل اقل بكثير من الإجحاف الناجم عن الحلّ الذي يعتمد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل وذلك بيّن من خلال الملاحظتين التاليتين:

الملاحظة الأولى :

في اعتماد الحاصل كعتبة ، لم تتمثل فئة من المقترعين بلغ عددها 25000 مقترعا" اي ربع مجموع المقترعين في الدائرة اما في حال الغاء العتبة والإعتماد فقط على توزيع المقاعد وفقا" للحاصل الإنتخابي فسيبلغ مجموع المقترعين غير الممثلين :

900 x 2 = 1800 مقترعا" في اللائحة B

و2200 مقترعا" في اللائحة C

المجموع: 2200+ 1800 = 4000 مقترعا" غير ممثلين فقط.

 

الملاحظة الثانية :

إنّ فائض الأصوات غير الممثلة عند عدم اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل كان في حدّه الأقصى 2200 مقترعا" كما في اللائحة C و 900 x 2 = 1800 مقترعا" في حدّه الأدنى كما في حال اللائحة B. في حين ان فائض الأصوات غير الممثلة – في حال اعتماد الحاصل الإنتخابي كعتبة ضرورية للتمثيل – كان في حدّه الأدنى 7000 صوتا" (اللائحة F ) و8800 صوتا" في( اللائحةE ) ليصل الى حدّه الأقصى 9200 صوتا" كما في (اللائحة D )

ومع ذلك هناك طريقة افضل واعدل يمكن اعتمادها في عملية توزيع المقاعد بعد الفرز ، ويخفّض بنتيجتها الإجحاف اللاحق بحق إحدى اللوائح التي حصّلت العدد الأكبر من المقترعين غير الممثلين ، والمقصود هنا (اللائحة C ) – التي لديها فائض ب 2200 صوتا" - من خلال إعطائها ان امكن المقعد الإضافي ، لكن علينا بالمقابل التفتيش عن اللائحة التي يقتضي حرمانها من مقعد حصلته - ويكون معدّلها هو الأدنى - وفقا" لطريقة الكسر الأكبر La technique des plus forts restes .

فمن خلال حساب معدلات التصويت للمقاعد في اللوائح الست ، يتبيّن لنا ان معدّل المقعد الأدنى هو في اللائحة F وحجمها 7000 صوتا" . لكنّ اعادة التوزيع ، بإعطاء مقعد إضافي للائحة قد تستأهله – وفقا" لتقنيّة المعدّل الوسطي الأكبر La technique de la plus forte moyenne – يتطلّب شرطا" اساسيا" لا يمكن تجاوزه وهو :

ان يعطى المقعد الإضافي للائحة يصبح معدّلها الأعلى بين معدلات اللوائح الأخرى بعد افتراض اضافة هذا المقعد الى حسابها ، دون ان يصبح معدّل المقعد فيها اقلّ من معدّل المقعد الذي حرم من اللائحة التي حصلت على المعدّل الأدنى وفقا" للتوزيع الأول.

ويتبيّن لنا بعملية بسيطة بعد افتراض اضافة هذا المقعد الى اللوائح الخمس ان معدلات المقاعد الجديدة المفترضة هي كالتالي:

 

اللائحة A = 36000 = 7200 صوتا"

1+4

 

اللائحة B = 21800 = 7266 صوتا"

1+2

 

اللائحة C = 12200 = 6100 صوتا"

1+1

 

اللائحة D = 9200 = 4600 صوتا"

1+1

 

اللائحة E = 8800 = 4400 صوتا"

1+1

 

وهنا يظهر انّ معدّل المقعد في اللائحة B هو الأعلى بين اللوائح الخمس، وهو اعلى ايضا" من عدد المقترعين للائحة F التي افترضنا حرمانها من مقعدها الذي حصّلته اصلا"،

 

وبالتالي تقتضي العدالة ، حرمان اللائحة F من مقعدها الذي حصّلته وفقا" لتقنية الكسر الأكبر La technique des plus forts restes ، واعطاءه للائحة B وفقا" لتقنيّة المعدل الوسطي الأكبر La technique de la plus forte moyenne.

   

وبذلك نكون قد وصلنا الى اكبر قدر ممكن من العدالة والإنصاف بتخفيض الإجحاف الى حدّه الأدنى وتأمين التمثيل بحدّه الأقصى .

 

فالإنتخاب بنظرنا ليس عملا" حسابيا" فحسب بل يجب ان يعبّر عن اتجاهات الرأي العام وتمثيل الإرادة الجماعية للأمّة بأقصى ما يمكن من الدقة ذلك ان الهدف الرئيسي من العملية الإنتخابية دائما" - وان لم يكن الوحيد – ايصال ممثلين للشعب كل الشعب يعكسون تطلعاته ويحققون امانيه في اطار من السيادة الوطنية التي لا يمكن ان تتحقق ان لم تتحقق من خلالها العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.

إستفتاء رأي
المزيد
أكثر الوصلات إطلاعاً
أسعار المحروقات
مازوت أحمر
14,500 ل.ل
ديزل أويل مركبات
17,400 ل.ل
بنزين 95
24,600 ل.ل
بنزين 98
25,200 ل.ل